أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
173
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنّ الإبدال تثنية المراد وتكرير له . والثاني : أن التفصيل بعد الإجمال والإيضاح بعد الإبهام إيراد له في صورتين مختلفتين ، قاله الزمخشري على عادة فصاحته وتلخيصه المعنى بأقرب لفظ . والألف واللام في « الْبَيْتِ » للعهد لتقدّم ذكره ، وهو علم بالغلبة كالثريا والصّعق ، فإذا قيل : « زار البيت » لم يتبادر الذهن إلا إلى الكعبة شرّفها اللّه تعالى ، وقال الشاعر : 1367 - لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفنائه بالأصائل « 1 » أنشد الشيخ « 2 » هذا البيت في هذا المعرض وفيه نظر ، إذ ليس في الظاهر الكعبة . والضمير في « إِلَيْهِ » الظاهر عوده على الحج لأنه محدّث عنه ، والثاني : عوده على البيت و « إِلَيْهِ » متعلّق باستطاع ، و « سَبِيلًا » مفعول به لأنّ « اسْتَطاعَ » متعدّ ، قال : لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ « 3 » إلى غيره من الآيات . قوله : وَمَنْ كَفَرَ يجوز أن تكون الشرطية وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون الموصولة ، ودخلت الفاء شبها للموصول باسم الشرط وقد تقدّم تقريره غير مرة ، ولا يخفى حال الجملتين بعدها بالاعتبارين المذكورين . ولا بدّ من رابط بين الشرط وجزائه أو المبتدأ وخبره ، ومن جوّز إقامة الظاهر مقام المضمر اكتفى بذلك في قوله : « فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » كأنه قال : غني عنهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 99 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 99 ) قوله تعالى : لِمَ تَصُدُّونَ : « لِمَ » متعلق بالفعل بعده ، و « مَنْ آمَنَ » مفعول . وقوله : « تَبْغُونَها » يجوز أن تكون جملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك ، وأن تكون في محلّ نصب على الحال ، وهو أظهر من الأول لأنّ الجملة الاستفهامية جيء بعدها بجملة حالية أيضا وهي قوله : « وَأَنْتُمْ شُهَداءُ » فتتفق الجملتان في انتصاب الحال عن كل منهما ، ثم إذا قلنا بأنها حال ففي صاحبها احتمالان : أحدهما : أنه فاعل « تَصُدُّونَ » . والثاني : أنه « سَبِيلِ اللَّهِ » وإنما جاز الوجهان لأن الجملة اشتملت على ضمير كلّ منهما . والعامة على « تَصُدُّونَ » بفتح التاء من صدّ يصدّ ثلاثيا ، ويستعمل لازما ومتعديا . وقرأ الحسن : « تصدّون » بضمّ التاء من أصدّ مثل أعدّ ، ووجهه أن يكون عدّى « صدّ » اللازم بالهمزة ، قال ذو الرمة : 1368 - أناس أصدّوا النّاس بالسّيف عنهم * . . . « 4 »
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر 3 / 11 . ( 3 ) سورة الأعراف ( 197 ) . ( 4 ) صدر بيت وعجزه : - . . . * صدور السّواقى عن رؤوس المخارم وروى في ديوانه ( بالضرب ) بدل ( بالسيف ) الكشاف البحر المحيط 3 / 14 .